تسميات إقطاعية وظواهر طاغية

24418Image1.jpg

إزاء هذا الواقع، سادت ثقافة بين الناس مفادها ان إبن البيك هو بيك، وإبن الشيخ هو شيخ، وابن المير هو مير، وابن الأفندي هو أفندي، وإبن الخواجا خواجا، وابن الفلاح هو فلاح حكماً، وفرخ البط عوام… لكن هذه ليست القاعدة بل هناك استثناء حتى في الألفية الثالثة وعالم التطور والتكنوجيا، وتحول العالم الى قرية كونية تكمن في بروز قيادات هامشية الأصل والنشأة لتتحول الى زعامات وتفرخ من جديد زعامات، كما حال بعض القيادات الحالية التي كانت أشبه بالظواهرالمستجدة الفاقعة التي تفوقت على الإقطاعات التاريخية وأنزلتها عن عرشها

إن التوريث ليس ابن ساعته بل هو مسار يرتبط بتركيبة النظام اللبناني وبالخصوصيات والتوازنات العائلية والمصالح الطائفية، وعايشه اللبنانيون وارتضوا به منذ ما قبل الاستقلال، واستمر الأمر على هذا المنوال حتى الحرب التي دامت 17 سنة وأفرزت وقائع جديدة وغيرت الخريطة السياسية للمرحلة السابقة، وبدلت في المفاهيم والوجوه، وأزاحت عائلات وألغت دورها، وأبقت على نفوذ بعضها واستولدت زعامات جديدة لا تمت الى الوراثة السياسية التقليدية بصلة. وإذا استعرضنا التاريخ اللبناني بهذا الخصوص نجد ان لبنان تأثر بالاقطاع الملتزم للمال الميري في عهد المتصرفية حتى العام 1920، ليخضع لتأثير الانتداب الفرنسي حتى العام 1943، لكن بعد الاستقلال برزت عائلات إقطاعية احتكرت التمثيل السياسي والنيابي، وكان نفوذها يمتد الى كل شرايين الحياة اللبنانية ولها أتباعها وأنصارها ومحازبوها، حتى أنها أنشأت أحزاباً كانت نسخة عائلية عنها لا سيما حزب الكتائب برئاسة بيار الجميل، وحزب الوطنيين الأحرار بزعامة كميل شمعون، وحزب الكتلة الوطنية بقيادة إميل اده، الى ان جاءت الحرب عام 1975 وبرز دور للأحزاب، ووقع اتفاق الطائف، وأصبح دستور البلاد، ما أحدث خللاً في بنية النظام السابق، وبرزت قيادات جديدة هم أمراء الحرب وقادة الميليشيات الذين ارتضوا بوقف الحرب لقاء امتيازات سياسية، وكل ذلك على حساب العائلات التقليدية التي تراجع دورها لا بل لم يعد لبعضها الآخر وجود

Advertisements

فقط في لبنان… بيك وشيخ ومير وأفندي وخواجا التوريث السياسي قائم ومستمر منذ ما قبل الاستقلال حتى اليوم

images.jpg

عادت الوراثة السياسية الى دائرة الضوء من جديد لاسيما الوراثة مع الحياة وليس بعد الممات، بحيث يجمع الوارث  حكمة الشيوخ وحيوية الشباب، مع تسلم الشيخ سامي الجميل رئاسة حزب الكتائب لتكتمل الصورة بين الجد المؤسس بيار والإبن أمين والحفيد سامي، علماً بأن شعار حزب الكتائب هو “الله، الوطن والعائلة”. والمقصود بالعائلة هنا العائلة اللبنانية على مستوى كل الطوائف، إنما ثبت ان الركن الثالث من هذه المعادلة يعني عائلة الجميل، بدليل ان رئاسة الوزير السابق كريم بقرادوني لحزب الكتائب في فترة وجود الرئيس أمين الجميل في المنفى الفرنسي أنتجت حركة تصحيحية كتائبية برئاسة الوزير الشهيد بيار الجميل الحفيد الى ان عادت الكتائب لتجتمع برضا بقرادوني ويتسلم رئاستها أمين حتى الآن،

لكنه آثر العزوف ليترك المنصب لإبنه سامي بعدما أزال المعوقات من أمامه لاسيما لجهة إقناع ابن أخيه النائب نديم بالتنازل لصالح سامي، ناهيك عن ان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط أراد منذ أشهر ان يستقيل من النيابة ليتم انتخاب ابنه تيمور مكانه، لكن التمديد للمجلس وعدم إمكانية حصول انتخابات فرعية، كما الحال في جزين بعد وفاة النائب ميشال حلو حيث لم يتم ملء الشغور بعده، حكم بتأجيل التنفيذ، وإن كان تيمور قد بدأ يتسلم الزعامة عملياً من خلال استقباله الأنصار في المختارة مؤخراً، لتكتمل المعادلة الثلاثية بين الجد كمال والابن وليد والحفيد تيمور، بالإضافة الى نية رئيس تيار المردة سليمان فرنجيه تسليم الزعامة لإبنه طوني، حتى أنه لم يقدم ترشيحه للإنتخابات النيابية قبل ان يصار الى التمديد، وترك طوني يقدم الطلب مكانه، وهو يعمل على تهيئته ليتقلّد عباءة الزعامة الزغرتاوية لنكون أمام رباعية الجد سليمان الرئيس الأسبق والإبن طوني الوزير والنائب الراحل والحفيد سليمان وبعده إبنه طوني.
وهذه الوراثة ليست متجددة بل هي متقادمة العهد وتدخل ضمن تركيبة النظام السياسي اللبناني منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 يوم كانت العائلات الإقطاعية تدير البلاد وتتوارث الزعامة أباً عن جد حتى العهود اللاحقة من عهد الانتداب الى عهد الاستقلال الى اليوم بعد اتفاق الطائف، خاصة وان نظامنا طائفي، رغم الدستور الذي يتحدث عن الديموقراطية وتداول السلطة وحكم المؤسسات، لكن الأعراف هي التي تحكم مسار الأمور بشكل عام، حيث تعيد العائلات الإقطاعية إنتاج زعامتها بأحد أبنائها والذي يتفوق في كثير من الأحيان على أسلافه ويحافظ على إرثهم ويجدده ويراكم عليه، في حين ان البعض الآخر يخسره ويضيعه.